إن الحمد لله نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ، ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من
يهدهِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ
وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ واَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } .
{ يَاأَيُّهَا النَاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الذى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ
وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا
وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الذى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } .
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً
سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ
يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } .
أما بعدُ، فان أصدقَ الحديثِ كتابُ الله،
وخيرَ الهدى هدى محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وشرَ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ
بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعدُ :
إن الانسانَ في عملهِ إما مُفرّط و إما غالي وما ذلك
إلا بسببِ جَهلهِ وعدمِ لُزومِهِ لأهل ِالعلمِ لمعرفةِ الحُكْم الشرْعِيّ فيما يَقدُمُ
عَليْهِ:
فللشيطانِ مَدْخلَان لِبنِي آدَمَ, الأولُ: التفريطُ
و المَعَاصي فيُزيّنُ لِلعَاصِي الذنوبَ والشهواتِ لِحَجْبهِ عنِ التوْبَةِ و
الرجوعِ، قال اللهُ تعالى : { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي
لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ
بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ
وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) }
[ الاعراف:
16-17].
والثاني: وهو أشد المدخلين : الغلو : يأتي للمُطيعِ مِن
جَانِبِ طاعَتِه و عبادته فيدفعه للغلو فيها. فيخرج عن المشروع الى البدع و
المخالفة, وقد قال الله تعالى:
{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي
دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ
قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) } [الأنبياء: 77 ].
قال ابن كثير في تفسير الآية : أي لا تجاوزوا الحد في
اتباع الحق و لا تـُطرُوا من أمِرْتم بتعظيمه فتبالغوا فيه, حتى تـُخرجوه عن حَيّز
النبوة إلى مقام الإلهية كما صنعتم في المسيح و هو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلها
من دون الله, وما ذاك إلا لاقتدائِكُم بشيوخ الضلال, الذين هم سلفكم ممن قد ضل
قديما (وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ
السَّبِيلِ) أي وخرجوا عن طريق الإستقامة
والإعتدال إلى طريق الغواية والضلال. انتهى كلامه رحمه الله.
ومن حديث ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه و سلم:" إياكم والغلو، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في
الدين." رواه النسائي وصححه الألباني في الصحيحة(1283).
ومن مكائد الشيطان لهؤلاء المفرطين الغالين أنه زين
لهم اتّباعَ الهوى و سُوء الفهم في الدين وزهّدهُم في الرّجوع إلى أهل العلم لعدم
التبصرة والإرشاد إلى الصواب, بل الخوض في الطعن و الثلبِ والتنقيصِ من أهل العلم بأبشع
الأوصاف والألقاب لحجب الناس عن الأخذ منهم بدعاوى ما أنزل الله بها من سلطان. قال
الله تعالى ( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ
اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) [فاطر: 8] و قوله
تعالى : ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ
مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ
فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ
ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ) [آل عمران : 7] .
و في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى
الله عليه وسلم تلا هذه الآية فقال :
"
إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ".
والسبب الظاهر من الآية هو سوء الفهم الذي يؤدي إلى الغلو و التفريط و الإغترار
بالرأي دون الأهلية.
فحداثة السن مظِنّة لسُوءِ الفهم كما بين ذلك عُروَة
بنُ الزبيرِ في التمهيد لعُذره في خطئه في الفهم, روى البخاري في صحيحه عن هشام بن
عروة عن أبيه أنه قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم وأنا يومئذ حديث
السن. أرأيت قول الله تبارك و تعالى: ( إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) [البقرة : 158] فما أرى
على أحد شيئا أن لا يطوف بهما فقالت عائشة كلا ، لو كانت كما تقول كانت : فلا جناح
عليه أن لا يطوف بهما. إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يُهـِلّونَ لِمَناة
وكانت مناة ُحَذوَ قديد, وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا و المروة فلما جاء الإسلام
سألوا رسول الله فأنزل الله الآية. و عروة من خيار التابعين و هو أحد الفقهاء
السبعة بالمدينة. وقد أشار إلى سبب خطئه : هو حداثة السن ، وهو واضح في أن عدم
اكتمال الأهلية في الغالب يؤدي إلى الوقوع في المُدْلهـِمّاتِ. و أن الرجوع إلى
أهل العلم فيه الخيرُ و السلامة.ُ
وأكثر الشباب الآن تزبّبُوا قبل أن يتـَحَصْرَمُواْ
فتجد فيه الحماسة َالجياشة َغيْرَ المنضبطة بضوابط الشرع ، التسرعُ في الأحكام
واتخاذ ُالمواقفِ واتهامُ أهل ِالعلمِ دون إدراك للمصالح و دفع للمفاسد, ووضع
الأمة في مأزق و ضيق و حرج كانوا في غنىً عنه ، لو تعقلوا و رجعوا إلى علمائهم
الربانيين لتفادوا الأخطار و سلموا و سلمت الأمة من الشر بإذن الله تعالى.
فما أحوجنا إلى الرجوع إلى أهل العلم و الصدور عنهم
والثقة بهم و عدم الإعجاب بالرأي الفارغ من الفهم الصحيح.
وفقني الله وإياكم لما يحبهُ ويرضاهُ إنه ولي ذلك
والقادر عليه و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.